أسامة داود يكتب: طلب زيادة قدرة.. فتحول إلى متهم بسرقة التيار!

أسامة داود يكتب: طلب زيادة قدرة.. فتحول إلى متهم بسرقة التيار!

كيف تصنع الكهرباء متهمًا من مواطن ملتزم؟

في واحدة من أكثر الوقائع إثارة للدهشة داخل منظومة الكهرباء، تتحول قصة مواطن بسيط من طلب قانوني لزيادة القدرة الكهربائية لمحل تجاري، إلى سلسلة من الاتهامات والمحاضر والغرامات التي تجاوزت 100 ألف جنيه.. ولا تزال المطالبات مستمرة.
القصة هنا ليست حالة فردية، بل نموذج صارخ لما يمكن أن يحدث عندما تختلط الإجراءات الفنية بالمزاج الإداري، وتتحول السلطة من أداة خدمة إلى وسيلة ضغط.
البداية: طلب قانوني.. ونهاية غير مفهومة
في 23 ديسمبر 2024، تقدم المواطن بطلب رسمي لزيادة القدرة الكهربائية لمشروع تجاري محل بيتزا، مع تغيير العداد الأحادي الكودي رقم 2755/2020 كود 4894 من 2 فاز إلى 3 فاز، وهو الإجراء الطبيعي والمشروع لأي نشاط يسعى للتوسع.
لكن المفاجأة وقعت في اليوم نفسه؛ إذ تم رفع العداد بالإيصال رقم 43285، في حين لم يكن صاحب المحل يتوقع أن تُسجَّل عملية الرفع تحت مسمى رفع نهائي، ودون تركيب عداد بديل.
تم ذلك دون تنفيذ طلب زيادة القدرة، ودون انتظار توفير عداد بقدرة أكبر، ما وضع المشروع أمام خيارين كلاهما مر: إما التوقف القسري وتعطيل النشاط وتسريح العمال، أو التشغيل دون عداد بما يعرّضه لمحاضر سرقة تيار.
ورغم وجود حلول عملية، مثل تركيب عداد مؤقت أو احتساب الاستهلاك وفق متوسطات سابقة، فإن شيئًا من ذلك لم يحدث. وبدلاً من ذلك، صدر قرار بوقف النشاط فعليًا، وكأن المشروع - الذي يمثل مصدر رزق لعدة أسر - أصبح هدفًا للعقاب لا للرعاية.

هنا يفرض السؤال نفسه: كيف يتحول طلب زيادة قدرة إلى قرار برفع نهائي للعداد في اليوم ذاته؟
وهل أصبح التوسع جريمة تستوجب قطع التيار؟
المرحلة الثانية: طلبات بلا استجابة
بعد أيام، ومع عدم الاستجابة، تقدم المواطن بطلب إلكتروني جديد في 21 يناير 2025 عبر المنصة الرسمية، بنفس المطلب: زيادة القدرة.
مرت الشهور، حتى أبريل، أي بعد أكثر من 100 يوم، دون رد أو تنفيذ. توجه المواطن إلى هندسة الكهرباء للاستفسار عن سبب التأخير، بعد أن تقدم بطلبين: الأول ورقي في 23 ديسمبر 2024، والثاني إلكتروني في يناير 2025.
لكن بدلًا من دراسة الطلب أو إجراء معاينة، كانت النتيجة: لا عداد، لا رد واضح، ولا حل.
محاضر سرقة دون معاينة
بحسب تأكيد المشترك، شاغل المحل، تم تحرير محضر سرقة تيار مكتبيًا أثناء حضوره للاستفسار. إذ طُلبت بطاقته للاطلاع عليها، وفي اللحظة نفسها تم تحرير المحضر، دون ضبط فعلي أو معاينة ميدانية.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل أصبحت مكاتب الكهرباء بديلًا عن الضبط القضائي في الشارع؟
وهل يكفي الجلوس خلف مكتب لتحرير محضر سرقة بحق محل متوقف قسرًا بقرار من الجهة نفسها؟
ردود رسمية تتغير حسب الموقف.. وعند تدخل شركة شمال الدلتا لتوزيع الكهرباء بناءً على شكوى المواطن وطلب تفسير، جاء رد هندسة كهرباء دسوق عبر مخاطبتين..الأولى: أن رفع العداد تم بغرض الفحص، مع إنكار أنه بناءً على طلب زيادة القدرة، وهو ما اعتبره المواطن تدليسًا لإخفاء الحقيقة.
ثم جاء رد آخر: أن الرفع نهائي بغرض استبدال العداد.
لم يكن تغيير الصياغة تفصيلًا بسيطًا، بل محاولة لإعادة توصيف الواقعة. والأخطر أن بعض الموظفين رفضوا التوقيع على الرد الأول لعدم دقته.
سلسلة من المحاضر 
لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد. فبعد تظلم المواطن أمام كهرباء المنصورة، فوجئ بسلسلة من الغرامات: محضر أول بقيمة 139,500 جنيه
تم تخفيضه عبر لجنة التظلمات التي لجأ اليها المواطن الذى تحول بأمر الكهرباء الى لص بالإكراه!، إلى 41,465 جنيه، سددها المواطن اضطرارًا لإنقاذ مشروعه وسمعته
ثم محضر آخر بقيمة 19,498 جنيه، تلتها مطالبات لاحقة تصل إلى 89 ألف جنيه
أي أن المواطن سدد بالفعل أكثر من 100 ألف جنيه، وما زال مطلوبًا منه المزيد.ادفع.. ثم تَظلم
لم يتم تركيب العداد الجديد إلا بعد..سداد المبالغ وإنهاء التصالح
وكأن الخدمة حق مشروط بالعقوبة، وليس إجراءً تنظيميًا.
ومن العبث الفني أن جهاز يحدد استهلاكك من خلال أجهزة لم تستخدم ولم يتم تشغيلها.
أحد أخطر ما في الواقعة ، هو احتساب استهلاك على أساس تشغيل كامل المعدات الموجودة على مدار الساعة دون توقف .. بغض النظر عن الاستخدام الفعلي.. وهنا السؤال الفني كيف يتم احتساب استهلاك افتراضي لمعدات غير مشغلة؟ .. وأين دقة القياس التي يُفترض أن يقوم بها العداد نفسه؟ بينما لم يتم تركيبه بعد رفع الكهرباء له وعدم القيام برفع القدرة المطلوبة لتوسعات يستهدفها المشروع التجاري؟.
التظلمات: مسكنات لا حلول
رغم تقديم عدة تظلمات، كان المشهد كالتالي.. وهو ما حدث من تخفيض المحضر الأول من 139 الف الى 41 الف جنيه دون مراجعة الامر والذى كان يجب ان يتم الغائه لا تخفيضه.. لتصبح استراتيجية الكهرباء محاضر تحرر من المكاتب ثم ترضيه في صورة تخفيضات مؤقتة.. ووعود غير مكتملة بالمراجعة .. ثم إعادة تدوير المخالفات.. حتى وصل الأمر إلى رفض التظلم بحجة عدم استكمال المشترك للمستندات المطلوبه والتي لم تطلب أصلا منه ، رغم أن المشكلة في الإجراءات نفسها.
الأخطر.. تضارب المصالح بحسب ما تكشفه الواقعة.. وهى أن هناك نسب من المحاضر التي يتم تحريرها تعود الى محرريها ويحصل منها الكبار على نسبه في صورة حوافز وبدلات وهو ما يخلق حافزًا لتحرير محاضر.
بدلاً من حل المشكلات وهنا نصل إلى لب الأزمة.. هل الهدف تحصيل مستحقات.. أم تعظيم ارقام الجباية  وتحت أي مسمى و بأي وسيلة؟
وهنا لابد من ان أوجه بعض الأسئلة لوزير الكهرباء القابع خلف مكتبه الوثير في العاصمة الإدارية بديوان عام وزارة الكهرباء.
نعم هذه الواقعة ولديناه عشرات الوقائع المماثلة تضع عدة أسئلة مشروعة أمام المسؤولين.
كيف يتم رفع عداد كهرباء ، رفع نهائي في نفس يوم تقديم طلب زيادة قدرة دون توفير بديل له لقياس الاستهلاك ؟
كيف يُحرر محضر سرقة دون ضبط فعلي؟ لماذا تتغير ردود الرسمية لهندسة الكهرباء؟
ما الأساس الفني لاحتساب استهلاك افتراضي؟ .. هل توجد رقابة على تضارب المصالح داخل منظومة التحصيل؟
ولماذا يُجبر المواطن على السداد قبل الفصل في التظلم؟
الخلاصة.. من مواطن إلى متهم... بقرار إداري
هذه القصة ليست عن عداد كهرباء.. بل عن خلل في ميزان العدالة الإدارية.
حين يتحول الالتزام إلى شبهة والطلب القانوني إلى مخالفة
والخدمة إلى وسيلة ضغط .. فنحن أمام منظومة تحتاج إلى مراجعة حقيقية.
رسالة أخيرة.. إلى جهاز تنظيم مرفق الكهرباء.. هذه ليست شكوى فردية
بل جرس إنذار واختبار حقيقى يقيس مستوى عدالتكم .. وإلى وزارة الكهرباء.. المواطن لا يهرب من الدفع..  لكنه يرفض أن يُدان قبل أن يُسمع.